السيد محمد الصدر
155
ما وراء الفقه
وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة . فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شروط التوبة . وتاب إلى اللَّه تذكر ما يقتضي الإنابة . نحو : فتوبوا إلى اللَّه جميعا - أفلا يتوبون إلى اللَّه - وتاب اللَّه عليه . أي قبل توبته عنه . لقد تاب اللَّه على النبي والمهاجرين - ثم تاب عليهم ليتوبوا - فتاب عليكم وعفا عنكم . والتائب : يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة . فالعبد تائب إلى اللَّه . واللَّه تائب على عبده . والتوّاب العبد الكثير التوبة . وقد يقال اللَّه ذلك لكثرة قبوله توبة العباد حالا بعد حال . إنه هو التواب الرحيم . أقول : إننا هنا ينبغي أن نفهم معنى واحدا للتوبة ، تنطبق على العبد وربه معا ، بحيث يكون صدقه على الجانبين حقيقيا من المشترك المعنوي ، ولو اقتصرنا على ما قاله الراغب لكانت التوبة في اللَّه سبحانه مجازا . لوضوح اختلاف استعمال حرف الجر فيها . فإن العبد يتوب إلى اللَّه واللَّه سبحانه يتوب على عبده . والعود خاص بالعبد الذي اختص بالذنب . فما هو الوجه في نسبة التوبة إلى اللَّه سبحانه . وجواب ذلك ، حسب فهمي : أن الذنب حين يصدر من العبد عصيان للَّه سبحانه . فإنه يترتب على ذلك بعدان لا بعدا واحدا . أولا : بعد العبد عن ربه من ناحية أخلاقية ومعنوية . ثانيا : بعد الرب عن عبده ، نتيجة لسخطه عليه من ذنبه . والرضا نافي لكلا البعدين ، فكما أن العبد يقترب من ربه بعد أن يكون بعيدا ، فيصدق عليه أنه تاب ، كذلك يقترب الرب من عبده ، فيصدق عليه أنه تاب . وكلاهما شكل من أشكال الأصل في الخلقة تقارب العبد مع الرب تقاربا معنويا . فإذا حصل الذنب من العبد تباعدا ، فإذا حصل الاستغفار تقاربا ثانية . فيكون هذا التقارب تكرارا للتقارب السابق . وهو معنى العود . يعني إلى المكان الذي كانا فيه أو الحال الذي كانا عليه .